يحيى بن زياد الفراء
46
معاني القرآن
وقوله : ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها . . . ( 69 ) اللّون مرفوع ؛ لأنك لم ترد أن تجعل « ما » صلة فتقول : بيّن لنا ما لونها « 1 » ولو قرأ به قارئ كان صوابا ، ولكنه أراد - واللّه أعلم - : ادع لنا ربك يبيّن لنا أىّ شئ لونها ، ولم يصلح للفعل الوقوع على أىّ ؛ لأن أصل « أي » تفرّق « 2 » جمع من الاستفهام ، ويقول القائل : بين لنا أسوداء هي أم صفراء ؟ فلما لم يصلح للتّبيّن أن يقع على الاستفهام في تفرّقه لم يقع على أىّ ؛ لأنها جمع ذلك المتفرّق ، وكذلك ما كان في القرآن مثله ، فأعمل في « ما » « وأىّ » الفعل الذي بعدهما ، ولا تعمل الذي قبلهما إذا كان مشتقّا من العلم ؛ كقولك : ما أعلم أيّهم قال ذاك ، ولا أعلمنّ أيّهم قال ذاك ، وما أدرى أيّهم ضربت ، فهو في العلم والإخبار والإنباء وما أشبهها على ما وصفت لك . منه قول اللّه تبارك وتعالى : « وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ » « 3 » « وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ » « 4 » « ما » « 5 » الثانية رفع ، فرفعتها بيوم ؛ كقولك : ما أدراك أىّ شئ يوم الدّين ، وكذلك قول اللّه تبارك وتعالى : « لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى » « 6 » رفعته بأحصى ، وتقول إذا كان الفعل واقعا على أىّ « 7 » : ما أدرى أيّهم ضربت . وإنما امتنعت من أن توقع على أي
--> ( 1 ) « لونها » بالنصب في المثال مفعول يبين ، وتكون « ما » زائدة . ما بين النجمتين ساقط من نسخ ج ، ش . ( 2 ) يريد أن أيا نابت عن جمع من الاستفهام متفرّق . فبدل أن يقال : بين أسوداء هي أم صفراء أم حمراء . يقال : بين أي شئ لونها ، فتغنى أي عن هذا الجمع من الاستفهام ، فمن ثمّ كان أصلا لها . وعبارة الطبري : « لأن أصل « أي » و « ما » جمع متفرق الاستفهام » . ويريد الطبري بالأصل ما يوضع له اللفظ ويدل عليه ، وهذا غير ما يريد الفراء . وكل صحيح . ( 3 ) آية 10 سورة القارعة . ( 4 ) آية 17 سورة الانفطار . ( 5 ) في ش ، ج : « وموضع ما » . ( 6 ) آية 12 سورة الكهف . ( 7 ) أي : اسم استفهام عما يعقل وعما لا يعقل ، وأدوات الاستفهام ( كغيرها من المعلقات ) تعلق العامل عن العمل لفظا لأن لها صدر الكلام ، فلو أعمل ما قبلها فيها أو فيما بعدها لخرجت عن أن يكون لها صدر الكلام . ولا يكون التعليق إلا في أفعال القلوب التي تلغى نحو علم وظن ، ولذلك لا تقول : لأضربن أيهم قام ( بالرفع ) لأنه فعل مؤثر لا يجوز إلغاؤه فلا يجوز تعليقه . وقال الفرّاء : « أي » يعمل فيه ما بعده ولا يعمل فيه ما قبله ، وإنما يرفعها أو ينصبها ما بعدها كقوله تعالى : « لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى » فرفع ، وقوله : « وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ » -